دبلوماسي إيراني سابق: أمريكا مستفيدة من تخصيب اليورانيوم في إيران

ناقش الدبلوماسي الإيراني السابق، حسين موسويان، في مجلة “الحكم الرشيد” الأمريكية، المفاوضات بين واشنطن وطهران، تحت سؤال: كيف يمكن للولايات المتحدة استغلال تخصيب اليورانيوم الإيراني لمصلحتها الخاصة؟ إذ وصلت المحادثات بين الطرفين عند محطة مناقشة القضايا الفنية، خاصة فيما يتعلق بحق تخصيب اليورانيوم، الذي تعارضه الولايات المتحدة وتصر إيران عليه، لكن المفاوض الإيراني السابق، أشار إلى أن هناك أسباب تجعل برنامج التخصيب المدني الإيراني لا يشكل تهديدًا للمصالح الوطنية الأمريكية، بل يشكل فرصة.

منذ منتصف أبريل، عقدت إيران والولايات المتحدة جولات عديدة من المفاوضات النووية، أحرزت تقدمًا ملحوظًا، حتى أعلنت واشنطن فجأةً أن إيران لا تملك الحق في تخصيب اليورانيوم. علاوةً على ذلك، أرسل 200 عضو في الكونجرس الأمريكي رسالةً إلى الرئيس ترامب يعارضون فيها أي اتفاق من شأنه أن يسمح لإيران بالاحتفاظ بقدرتها على تخصيب اليورانيوم. الأمر الذي دفع المرشد الأعلى الإيراني، آية الله خامنئي المطالب الأمريكية بأنها “مفرطة وفظيعة وهراء”.

ومنذ بداية الأزمة النووية الإيرانية في عام 2003، رسمت طهران خطًا أحمرًا واضحًا: الحق السلمي في تخصيب اليورانيوم بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي غير قابل للتفاوض. وأشار موسويان أن في كتابه الصادر عام 2012 بعنوان ” الأزمة النووية الإيرانية “، أن خامنئي أبلغ صراحةً، كبير المفاوضين آنذاك، حسن روحاني، أنه إذا تخلت إيران عن حقها القانوني والشرعي في التخصيب، فعليه إما الاستقالة أو ضمان اتخاذ هذا القرار بعد وفاة المرشد.

وأوضح موسويان: كشفتُ هذه الحقيقة علنًا لتُدرك واشنطن: لا يُمكن لأي اتفاق نووي يحرم إيران من حقوقها في التخصيب أن يكون قابلاً للتطبيق سياسيًا أو قانونيًا داخل إيران. ومن ثم أدركت إدارة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما هذا الواقع وفضلت الدبلوماسية على الحرب، فتوصلت إلى الاتفاق النووي التاريخي عام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة) ــ وهو الاتفاق الأكثر شمولاً لمنع الانتشار النووي على الإطلاق.

أشار أخصائي أمن الشرق الأوسط والسياسة النووية بجامعة برينستون الأمريكية، إلى أن المحادثات النووية ستفشل إذا حرمت واشنطن إيران من حقوقها في التخصيب بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي. وأن السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم لا يُشكل تهديدًا للمصالح الوطنية الأمريكية، بل قد يُمثل فرصة. إذ هناك الآن إجماع واسع النطاق بين الحزبين في واشنطن على ضرورة إعادة تركيز الولايات المتحدة استراتيجيتها بعيدًا عن التشابكات الإقليمية، ونحو مواجهة القوى العظمى، وخاصة الصين. ولتحقيق ذلك بفعالية، يجب أن يرتكز النظام الجديد في الشرق الأوسط على مفهوم “توازن القوى” بدلًا من “الهيمنة”.

وأضاف موسويان: أي جهد لمنح قوى إقليمية، بما في ذلك إسرائيل والسعودية وتركيا ومصر وإيران، هيمنة إقليمية لن يؤدي إلا إلى إدامة حالة عدم الاستقرار التي سادت العقود الأخيرة. يجب أن ترتكز استراتيجية البيت الأبيض تجاه الشرق الأوسط على “توازن إقليمي”، لا على احتواء أحادي الجانب.

وتابع: إن المعايير المزدوجة التي تنتهجها واشنطن ــ التسامح مع ترسانة إسرائيل النووية، إن لم تكن دعمها، وفي الوقت نفسه حرمان إيران من حقها في التخصيب السلمي الذي تحميه معاهدة حظر الانتشار النووي ــ تدعم فعلياً التفوق الاستراتيجي لإسرائيل في المنطقة.

ربع حروب أمريكا الأربعمائة كانت في الشرق الأوسط وأفريقيا. وهناك أيضًا اعتراف متزايد من الحزبين بأن التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط قد فشلت. بعدما تكلفت تريليونات الدولارات وعشرات الآلاف من أرواح الأمريكيين، وتعزز الإرهاب وعدم الاستقرار في المنطقة.

ومنذ حروب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، سعى كل رئيس أمريكي لتجنب حروب جديدة في المنطقة. فقد ندم أوباما على التدخل في ليبيا ووصفه بأنه أسوأ أخطائه. والحرب الأمريكية الأخيرة على اليمن تكلفت 7 مليارات دولار، وفشلت في النهاية.

ولذلك بعد شهر من القصف، أعلن الرئيس ترامب انتهاء العمليات الهجومية، قائلاً إن الحوثيين وعدوا بعدم استهداف السفن الأمريكية. ستتجاوز المواجهة العسكرية مع إيران بكثير تكلفة وفوضى العراق وأفغانستان واليمن. قد تكون حقوق التخصيب مثيرة للجدل، لكن الحرب ستكون كارثية.

جادل كينيث والتز، مؤسس الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية، في مقال نُشر عام 2012 في مجلة الشؤون الخارجية، بأن امتلاك إيران للسلاح النووي قد يُحقق استقرارًا استراتيجيًا في الشرق الأوسط من خلال موازنة احتكار إسرائيل النووي. ويرى والتز أن الردع المتبادل يُقلل من خطر الحرب.

وعلق الرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية للأمن القومي في إيران: مع اختلافي مع والتز بشأن الانتشار النووي، إلا أنني أتفق معه على أن احتكار إسرائيل للأسلحة النووية ليس حلاً ولا مستدامًا. عاجلاً أم آجلاً، ستسعى القوى الأخرى في المنطقة حتمًا إلى امتلاك قدرات نووية. البديل الوحيد القابل للتطبيق هو تنفيذ قرارات الأمم المتحدة الحالية التي تدعو إلى إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.

ويُتيح برنامج التخصيب الإيراني، وأيضًا سعي السعودية إلى تحقيقه، للولايات المتحدة فرصةً فريدةً لدعم تحالف نووي إقليمي تحت إشراف دولي في الخليج العربي، بل وحتى في الشرق الأوسط. وهذا من شأنه أن يُزيل خطر تطوير الأسلحة النووية، مع الحفاظ على حقوقها بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي. ولكن هذا الإنجاز لن يكون مستداماً إلا إذا انضمت إسرائيل، مثلها كمثل جميع البلدان الأخرى في الشرق الأوسط، إلى معاهدة منع الانتشار النووي وتخلت عن أسلحتها النووية.

لطالما ارتكز النظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية، المُرتكز على القيادة الأمريكية، على هدفي معاهدة حظر الانتشار النووي: نزع السلاح النووي ومنع الانتشار. ولا يُمكن أن يُحكم مستقبل الشرق الأوسط النووي إلا بمعاهدة حظر الانتشار النووي، لا غير. لكن قوّضت المعايير المزدوجة الأمريكية التي استمرت لعقود- بالتغاضي عن ترسانة إسرائيل النووية وحرمان إيران من التخصيب السلمي- المعايير العالمية وغذّت عدم الاستقرار الإقليمي.

وقد كتب المؤرخ المغربي البارز محمد المنصور: “أكثر ما يُغضب العرب هو تصورهم لسياسة أمريكية مزدوجة المعايير، قوامها نهجان: نهج تجاه إسرائيل ونهج تجاه الدول العربية”. إن ازدواجية المعايير وتناقضها مع القوانين واللوائح الدولية سيُهددان في نهاية المطاف مصداقية الولايات المتحدة ومصالحها الاستراتيجية طويلة الأمد.

وتباهى الرئيس ترامب مؤخرًا بإبرام صفقات تجارية بتريليونات الدولارات مع السعودية والإمارات وقطر. وقال: “كما تعلمون، حصلنا على 5.1 تريليون دولار من الشرق الأوسط في الأيام الأربعة الماضية”. وتتطلب مثل هذه الاتفاقيات استقرارًا إقليميًا طويل الأمد. وستضع الحرب مع إيران كل قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة في مرمى الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية. وستؤدي خسارة الصفقات والتصعيد العسكري إلى محو أي مكاسب اقتصادية، وستثقل كاهل دافعي الضرائب الأمريكيين لعقود.

ليس سرًا أن المواقف الأمريكية الحالية في المحادثات النووية تتأثر بشدة بالسياسة الإسرائيلية، وليس بالمصالح الأمريكية. فقد ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على واشنطن لشن حرب بقيادة أمريكية ضد إيران خلال العقود الماضية، وهو الآن يطالب بتفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، مع علمه بأن هذا المطلب غير قابل للتفاوض بالنسبة لطهران. بل إن إسرائيل، بحسب التقارير، تدرس مهاجمة البرنامج النووي الإيراني في ظل استمرار مفاوضات ترامب.لطالما توافقت سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط مع التفضيلات الإسرائيلية، إلا أن الدعم غير المشروط أتى بنتائج عكسية.

فاليوم، يُفضّل أكثر من ثلثي الأمريكيين، أي 69%، اتفاقًا سلميًا مع إيران، وأن لا إسرائيل ولا إيران تمتلكان أسلحة نووية. ويعتقد أكثر من 60% من الأمريكيين الآن أن إسرائيل تلعب دورًا سلبيًا في حل التحديات الرئيسية التي تواجه الشرق الأوسط.

وقد اتهمت محكمة العدل الدولية إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية محتملة. وتعكس الاحتجاجات الجماهيرية في جميع أنحاء الغرب خيبة أمل متزايدة. ونتيجة لذلك، تُعدّ إسرائيل واحدة من أكثر دول العالم عزلة. والأهم من ذلك، أن الصمت الغربي تجاه سلوك إسرائيل قد أضعف مبادئ حقوق الإنسان وحقوق المرأة والقانون الدولي التي كانت الولايات المتحدة تدافع عنها في السابق.

أضاف مؤلف كتاب “شرق أوسط خالٍ من أسلحة الدمار الشامل”: لا يمكن للولايات المتحدة أن تتحمل تكرار الأخطاء القديمة. بدلاً من معارضة حقوق إيران المشروعة في التخصيب، ينبغي على واشنطن استغلالها. الأمر لا يتعلق بالتهدئة، بل بالواقعية والقانون والمصالح الأمريكية طويلة الأمد.

وتابع: إن اتباع نهج متوازن قائم على القواعد، متجذر في معاهدة حظر الانتشار النووي والدبلوماسية الإقليمية، هو السبيل الوحيد المستدام للمضي قدمًا. علاوة على ذلك، من خلال اتفاق نووي عادل يحفظ ماء وجه الطرفين، يمكن لواشنطن أن تمهد الطريق لتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إيران على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل، كما هو منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *